الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

12

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

جدّا ، وغير ذلك ، فأوجب ذلك الفحص عن طريقة للخلاص من هذه المشاكل ، فرأوا ادخارهما في حرز منيع ، ثم يكتبوا الحوالة إليها ، ودارت المعاملات مدار الحوالة ، ومن هنا ظهرت النقود الورقية ! فهي في الحقيقة لم تكن مالا في بدء الأمر ، بل معرفا لما يحال عليه من الأموال ممّا سمّوه « غطاء ورصيدا » « 1 » . هذا وكانت هذه النقود الورقية قابلة للتبديل بما يحاذيها من الدرهم والدينار في أوائل ظهورها ، لكن لم يقف الأمر إلى هنا ، حتى احتاجت السلطات الحاكمة إلى نقود ورقية أكثر من الرصد المدّخر ، فطبعوا أوراقا وفرضوا على ذمتهم ما يحاذيها من الذهب والفضة ، وسمّوه الاستقراض من البنك المركزي ( أي مركز ادخار الرصيد ) . وصار هذا سببا لانحياز هذه الأوراق عن الرصيد انحيازا تدريجيا . أضف إلى ذلك أن أحدا من الناس لم يكن يرجع إلى البنك ليأخذ ما يعادل النقود الورقية من الذهب والفضة ، وعلى فرض الرجوع لم يقبل هذا الأمر منه . مضافا إلى أنّ نفس هذا الاستقراض - الذي لا يتمّ تسديده إلى سنين بل قد لا يسدّد أبدا - أوجب كون الرصيد أمرا صوريا لا واقع بإزائه ، ومن هنا أصبحت هذه النقود نقدا رائجا بذاتها لا بشيء آخر ورائها ! ولا عجب في ذلك بعد كون الملكيّة بذاتها أمرا اعتباريا ، بل إنّ مالية كثير من الأشياء ليست إلّا اعتبارية ، فهل الجواهر الثمينة التي لا نفع فيها لحياة الإنسان ، أو الأشياء الأثرية التي هي كذلك ، أو أسوأ حالا منها ، وكذلك الطوابع التي مرّ عليها زمان كثير ، هل تكون ماليتها بغير الاعتبار العقلائي ؟ بل كثير ما تكون منافعها وهمية خيالية لا يقبلها بعض العقلاء ، فكيف بالنقود الورقية التي لها إمكانية حل مشاكل البيوع والمعاملات ؟ ومن أوضح ما يدل على استقلال هذه الأوراق فعلا أنّه إذا استدان شخص مبلغا منها من غيره ، كألف تومان مثلا ، ثم مرّ عليه عدّة أعوام وارتفعت قيمة الذهب والفضة كثيرا في

--> ( 1 ) . ويسمى في الفارسية ب‍ « پشتوانه » .